الزركشي

173

البرهان

أحدهما أن هذا علم مستور ، وسر محجوب استأثر الله به ، ولهذا قال الصديق رضي الله عنه : في كل كتاب سر ، وسره في القرآن أوائل السور . قال الشعبي : إنها من المتشابه ، نؤمن بظاهرها ، ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل . قال الإمام الرازي : وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق ، لأن الله تعالى أمر بتدبره ، والاستنباط منه ; وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ، ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه في الأفعال ، فلم لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على معناه ، ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم ! القول الثاني أن المراد منها معلوم ، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها ; فمنها البعيد ، ومنها القريب : أحدها : ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه ، فالألف من " الله " واللام من " لطيف " ، والميم من " مجيد " ، أو الألف من " آلائه " ، واللام من " لطفه " ، والميم من " مجده " . قال ابن فارس : وهذا وجه جيد ، وله في كلام العرب شاهد : * قلنا لها قفى فقالت ق * فعبر عن قولها " وقفت " بق . الثاني : أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه ، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان . وما في كتب الله المنزلة باللغات المختلفة ، وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون ، وقد أقسم الله تعالى ب‍ * ( الفجر ) * * ( والطور ) * ; فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها .